صديق الحسيني القنوجي البخاري

531

فتح البيان في مقاصد القرآن

وسط القوم بالتسكين لأنه ظرف وجلست وسط الدار بالتحريك لأنه اسم لما يكتنفه غيره من جهاته . وكل موضع صلح فيه بين فهو وسط بالسكون وإن لم يصلح فيه بين فهو وسط بالتحريك ، وربما سكن وليس بالوجه ، و جَمْعاً مفعول به ، والفاآت في المواضع الأربعة للدلالة على ترتب ما بعد كل واحدة منها على ما قبلها . قرأ الجمهور فوسطن بتخفيف السين وقرىء بالتشديد قال ابن عباس في الآية صبحت القوم جميعا وفي لفظ الجمع العدو وفي لفظ إذا توسطت العدو ، وفي لفظ جمع العدو . إِنَّ الْإِنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ هذا جواب القسم والمراد بالإنسان بعض أفراده وهو الكافر والكنود الكفور للنعمة ، وقوله لربه متعلق بكنود قدم لرعاية الفواصل وقيل هو الجاحد للحق ، وقيل الكنود مأخوذ من الكند وهو القطع كأنه قطع ما ينبغي أن يواصله من الشكر ، يقال كند الحبل إذا قطعه ، وقيل الكنود البخيل بلغة بني مالك وقيل الحسود وقيل الجهول لقدره ، وقيل العاصي بلغة كند . وتفسير الكنود بالكفور للنعمة أولى بالمقام والجاحد للنعمة كافر لها ، ولا يناسب المقام سائر ما قيل . وعن ابن عباس قال الكنود بلساننا أهل البلد الكفور . وعن أبي أمامة عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم قال : « الكنود الكفور » أخرجه ابن عساكر وعنه قال : « الكنود الذي يمنع رفده وينزل وحده ويضرب عبده » ، وروي نحوه مرفوعا عنه وسنده ضعيف . والموقوف أصح . وَإِنَّهُ عَلى ذلِكَ أي وأن الإنسان على كنوده لَشَهِيدٌ يشهد على نفسه به لظهور أثره عليه ، وقيل المعنى وإن اللّه جل ثناؤه على ذلك من ابن آدم لشهيد ؛ وبه قال الجمهور ؛ وقال بالأول الحسن وقتادة ومحمد بن كعب ؛ وهو أرجح من قول الجمهور لقوله : وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ فإن الضمير راجع إلى الإنسان والمعنى أنه لحب المال قوي مجد في طلبه وتحصيله متهالك عليه . يقال هو شديد فلهذا الأمر وقوي له . إذا كان مطيقا له . ومنه قوله تعالى إِنْ تَرَكَ خَيْراً [ البقرة : 180 ] وقيل المعنى وإن الإنسان من أجل حب المال لبخيل والأول أولى ، واللام في لِحُبِّ متعلقة بشديد ، قال ابن زيد سمى اللّه المال خيرا وعسى أن يكون شرا ولكن الناس يجدونه خيرا فسماه خيرا . قال الفراء أصل نظم الآية أن يقال وإنه لشديد الحب للخير ، فلما قدم الحب قال لشديد وحذف من آخره ذكر الحب لأنه قد جرى ذكره ولرؤوس الآي كقوله :